محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

286

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها فباعوا النفوس ولم يربحوا * ولم تغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة * يبين لذي العقل أنتانها وروى عن حذيفة بن اليمان « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « أنه أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفّه ، ثم قال : إن الدين قد استضاء إضاءة هذه ، ثم أخذ كفّا من تراب ، فجعل يذره على الحصاة حتى واراها « 2 » ، ثم قال : والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الدين هكذا كما دفنت هذه الحصاة ، ولتسلكنّ سبيل الذين كانوا من قبلكم حذو القدم بالقدم والنعل بالنعل » . قلت : ومنشأ وجود هذه المفاسد خراب بواطنهم ، وظلمة قلوبهم بسبب فقد اليقين منها ، وانكساف أنوار الإيمان فيها ، وإفلاسهم من حقائق ذلك ، وعدم اختصاصهم بشيء منه ، فصاروا بذلك مأسورين لأهوائهم ، منقادين لأغراضهم وآرائهم ، ففسدت بذلك نياتهم ومقاصدهم ، « والأعمال بالنيات » « 3 » ؛ فإذا كانت النيات صالحة كانت الأعمال صالحة ، وترتب عليها آثار الصلاح ، وانعطف من ذلك على القلوب مزيد إشراق وحميد أخلاق يؤذن ذلك بوجود القرب من اللّه ، ونيل درجة الحبّ منه ، وإذا كانت النيّات فاسدة كانت الأعمال أيضا فاسدة ، وترتب عليها آثار فاسدة وانعطف من ذلك على القلوب زيادة ظلمة ورداءة همّة تقتضي البعد من اللّه تعالى وحصول المقت منه . وطلب العلم عمل من الأعمال ، معرّض للصحة والاعتلال ، وليت شعري : هؤلاء الذين استغرقوا أعمارهم في طلب العلم والأثر ، وأتعبوا أنفسهم بالدراسة والنظر ، وقطعوا أيامهم ولياليهم بالجوع والسهر ، وسمحت نفوسهم بفراق ملذوذاتها والبعد عن جميع مألوفاتها ، هل بعثهم على ذلك باعث الدين أو باعث الهوى ، ولا شكّ أن باعث الدين غير متصوّر منهم ، بل هو

--> ( 1 ) حذيفة بن حسل بن جابر العبسي ( توفي سنة 36 ه - 656 م ) أبو عبد اللّه ، واليمان لقب حسل ، صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين ، كان صاحب سر النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنافقين لم يعلمهم أحد غيره . وولاه عمر المدائن بفارس وأقام بينهم وأصلح بلادهم ، وهاجم نهاوند سنة ( 22 ه ) فصالحه صاحبها على مال يؤديه في كل سنة ، وغزا الدينور وماه سندان ، فافتتحها عنوة ثم غزا همذان الري فافتتحهما عنوة . توفي بالمدائن ، له في كتب الحديث ( 225 حديثا ) ، ( الأعلام 2 / 171 ، وحلية الأولياء 1 / 270 ، وتهذيب الكمال 4 / 191 . ( 2 ) ذرّ الشيء : بدده وفرقه ونثره . وأراها : سترها وأخفاها . ( 3 ) أخرجه البخاري ( بدء الوحي ، 1 ) ، ( إيمان ، 41 ) إكراه [ في الترجمة ] ، ( نكاح ، 5 ) ( طلاق ، 11 ) ، مناقب الأنصار ، 45 ) ، ( عتق ، 6 ) ، ( أيمان ، 23 ) ، ( حيل ، 1 ) ومسلم ( إمارة ، 155 ) ، وأبو داود ( طلاق ، 11 ) ، والترمذي ( فضائل الجهاد ، 16 ) والنسائي طهارة ، 59 ) ، ( طلاق ، 24 ) ، ( أيمان ، 19 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 26 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 25 ، 3 ) .